الشنقيطي
342
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
تأويل كما تر . وعلى هذا الوجه من التفسير - فالمعنى : فمحونا الآية الّتي هي الليل ، وجعلنا الآية الّتي هي النهار مبصرة ؛ أي جعلنا اللّيل ممحوّ الضوء مطموسه ، مظلما لا تستبان فيه الأشياء كما لا يستبان ما في اللوح الممحوّ . وجعلنا النهار مبصرا ؛ أي تبصر فيه الأشياء وتستبان . وقوله في هذه الآية الكريمة : وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا ( 12 ) [ الإسراء : 12 ] تقدّم إيضاحه ، والآيات الدالّة عليه في سورة « النحل » في الكلام على قوله تعالى : وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [ النحل : 89 ] الآية . قوله تعالى : وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً ( 13 ) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ( 14 ) [ 13 - 14 ] . في قوله جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ وجهان معروفان من التفسير : الأوّل - أنّ المراد بالطائر : العمل ، من قولهم : طار له سهم إذا خرج له . أي ألزمناه ما طار له من عمله . الثاني - أنّ المراد بالطائر ما سبق له في علم اللّه من شقاوة أو سعادة . والقولان متلازمان ؛ لأن ما يطير له من العمل هو سبب ما يؤول إليه من الشقاوة أو السعادة . فإذا عرفت الوجهين المذكورين فاعلم - أنّا قدّمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك : أنّ الآية قد يكون فيها للعلماء قولان أو أقوال ، وكلّها حقّ ، ويشهد له قرآن - فنذكر جميع الأقوال وأدلّتها من القرآن ؛ لأنّها كلّها حقّ ، والوجهان المذكوران في تفسير هذه الآية الكريمة كلاهما يشهد له قرآن . أما على القول الأول بأن المراد بطائره عمله - فالآيات الدالّة على أنّ عمل الإنسان لازم له كثيرة جدا ؛ كقوله تعالى : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [ النساء : 123 ] الآية ، وقوله إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 16 ) [ الطور : 16 ] ، وقوله تعالى : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ ( 6 ) [ الانشقاق : 6 ] ، وقوله : مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها [ فصلت : 46 ] ، والآيات بمثل هذا كثيرة جدا . وأمّا على القول بأنّ المراد بطائره نصيبه الّذي طار له في الأزل من الشقاوة أو السعادة - فالآيات الدالّة على ذلك أيضا كثيرة ، كقوله : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [ التغابن : 2 ] ، وقوله : وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ [ هود : 119 ] أي للاختلاف إلى شقيّ وسعيد خلقهم . وقوله : فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ [ الأعراف : 30 ] ، وقوله : فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ( 7 ) [ الشور : 7 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .